أم فقدت ابنتها ثم ابنها وهو يسعف الجرحى وثالثها معتقل
ابنتها هيا (13 عاماً) قُتلت في قصف على منزل الجيران أواخر 2023 ودُفنت قبل أن تودّعها، وابنها محمد قُتل بعد ثمانية أشهر وهو يهرع لإسعاف جرحى قصف آخر. وابنها الثالث معتقل منذ 2024، واثنان من إخوته خارج البلاد.

وثّق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان شهادة سلافة محمد أبو كويك (53 عاماً) من حي الأمل، التي فقدت ابنتها هيا في قصف إسرائيلي أواخر 2023، ثم فقدت ابنها محمد بعد نحو ثمانية أشهر، فيما اعتُقل ابنها منتصر خلال غيابها للعلاج ولا يزال محتجزاً.
وجاء في الشهادة أنها كانت مساء 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 في مطبخ شقتها ببناية من خمسة طوابق تسكنها عائلة زوجها، وإلى جانبها ابنتها هيا (13 عاماً)، حين استهدف قصف جوي إسرائيلي منزل الجيران على بعد أمتار.
وأفادت بأن كتلاً إسمنتية وشظايا اندفعت من النافذة فأصابتها في الرقبة واليد وأحدثت حروقاً في كتفها الأيسر، وملأ الغبار عينيها حتى كادت لا تبصر، فخرجت تتحسّس طريقها إلى باب الشقة تطلب النجدة.
وأشارت إلى أنها التقت على الدرج ابنيها محمد (19 عاماً) ومنتصر (23 عاماً) فطلبت من كلٍّ منهما الاطمئنان على أخته، ثم لحقا بها يحملانها فاستدارت عنهما بناءً على طلبهما، ولم تعلم أنهما يحملان جثمان ابنتها إلا حين ارتفعت صرخة إحدى قريباتها.
وذكر المركز أن هيا قُتلت مع خمسة آخرين، بينهم زوجة صاحب المنزل المستهدف ورضيعتها، وامرأة وابناها من عائلة مصلح كانوا مستأجرين في البناية، وأن الدمار طال طابقين كاملين كانا يؤويان عائلات مستأجرة.
ونُقلت سلافة إلى مستشفى ناصر الطبي، حيث كشفت الأشعة المقطعية عمق إصابة رقبتها فأُدخلت غرفة العمليات لتنظيف الجرح ووقف النزيف. وأدركت مقتل ابنتها من ملامح زوجها قبل أن ينطق، وطلبت أن يحضرها لتودّعها فلم يفعل، ودُفنت هيا في اليوم التالي دون أن تراها.
وبعد خمسة أيام في المستشفى أغلق الأطباء جرحها المفتوح على عجل، تحسّباً لإخلاء المستشفى واستقبال مرضى مجمع الشفاء الطبي الذي كانت إدارته قد تلقّت أمراً من قوات الاحتلال بإخلائه.
ثم غادرت إلى مصر أواخر ديسمبر/كانون الأول 2023 للعلاج بمساعدة إحدى المؤسسات، فتنقّلت بين مستشفيَي العريش والإسماعيلية، وأقامت نحو ثلاثة أشهر في مسكن مخصّص للمرضى الفلسطينيين، قبل أن تقرّر العودة عشية رمضان قلقاً على ابنها منتصر الذي انقطع تواصله بها.
وعند عودتها في مارس/آذار 2024 أبلغها زوجها أن قوات الاحتلال اعتقلت منتصر إثر حصار فرضته على حي الأمل أربعة أيام، ثم أمرٍ بإخلائه في اتجاه الغرب، فاحتُجز على حاجز تفتيش أُقيم في الطريق المؤدي إلى المواصي غرب خان يونس. وقالت إنها لا تعرف عنه منذ ذلك اليوم سوى أنه ما زال معتقلاً: «قلقة على ابني منتصر المعتقل، كيف ينام، كيف يأكل».
وعادت الأسرة تدريجياً إلى إيقاعها، وعمل محمد في محل لبيع العصائر غرب مواصي خان يونس. وفي صباح 13 يوليو/تموز 2024، بينما كانت أمه تنشر الغسيل على السطح، سمعت ثلاثة انفجارات متتالية لقصف إسرائيلي استهدف خيام نازحين قرب مكان عمله.
وبعد نحو 45 دقيقة بلغها أن محمد أصيب وهو يهرع لإسعاف جرحى الانفجار الأول فأصابه الانفجار الثالث. وحين وصلت إلى مستشفى ناصر لم تتوقّف السيارة عند الاستقبال بل مضت إلى المشرحة، حيث وجدت زوجها واقفاً أمام كيس أبيض. وقالت وهي تحتضن رأس ابنها: «كنت تتمنى الشهادة فنلتها، وتركتني لوحدي، اشتقت لأختك هيا».
وأضاف المركز أن القيود المشدّدة التي فرضتها قوات الاحتلال على دخول المساعدات في مارس/آذار 2025 تسبّبت بانتشار المجاعة، وأن إنذاراً جديداً بإخلاء حي الأمل في يونيو/حزيران من العام نفسه دفع الأسرة إلى النزوح إلى شارع النص بمواصي خان يونس، حيث فتح الزوج بسطة لبيع الفلافل.
ومع مطلع سبتمبر/أيلول عادت الأسرة إلى شقتها بعد رفع الحظر عن المنطقة، وصار الزوج يتنقّل أسبوعياً بين بسطته وبيته، فتبقى سلافة وحدها معظم أيام الأسبوع.
وأبناؤها الخمسة موزّعون اليوم بين قتيلين هما هيا ومحمد، ومعتقل هو منتصر، ومهاجرَين سافرا قبل الحرب: أحمد (31 عاماً) بقي في تركيا، ومعتصم (27 عاماً) لجأ إلى بلجيكا.
وتُظهر شهادة كهذه ما لا يظهر في الإحصاء: البيت الواحد يتوزّع على سجلّات منفصلة — قتلى ومعتقلون ونازحون ومهاجرون — فيُعدّ في كلٍّ منها مرّة، ولا يجمعه رقم واحد يقول إن هذا كلّه أصاب أسرة واحدة.
ولم تتضمّن المادة المنشورة تعقيباً على أيٍّ من عمليتَي القصف، ولا معلومات عن مكان احتجاز منتصر أو التهم المنسوبة إليه.