مركز معلومات غزة
الإبادة الجماعية

تدمير 123 معلماً أثرياً في غزة وتضرر 226 من أصل 316 موقعاً

المسح الميداني يضع نسبة الضرر عند 71.5% من التراث الثقافي الموثّق، ويسجّل نمطاً متدرجاً ينتهي بتجريف أحياء تاريخية كاملة، فيما تبقى 63 موقعاً داخل المنطقة الصفراء خارج متناول الباحثين.

صورة أرشيفية من غزة

أفاد مركز الميزان لحقوق الإنسان بأن الضرر لحق 226 معلماً أثرياً وتاريخياً في قطاع غزة من أصل 316 موقعاً موثّقاً، أي ما نسبته 71.5% من التراث الثقافي المسجّل في القطاع، وذلك في المدة الممتدة من 7 أكتوبر 2023 إلى نهاية ديسمبر 2025.

وذكر المركز في تقرير أصدره اليوم الاثنين بعنوان «التاريخ في أتون الإبادة» أن 123 معلماً من هذه المواقع دُمّر تدميراً كاملاً، أي 54.5% منها، فيما أصاب الضرر البالغ 29.8%، والضرر الجزئي أو الطفيف 15.7%.

وشكّلت المنازل السكنية التاريخية أكبر الفئات تضرراً بنسبة 46.4%، تلتها التلال الأثرية بـ8.4% ثم المساجد بـ7.5%، بينما جاءت الحمّامات والمستشفيات الأثرية والأسبلة والموانئ في أدنى القائمة بنسبة 0.4% لكلٍّ منها. ورصد المركز استهداف 105 منازل تاريخية يعود أقدمها إلى العهد العثماني وورثها ساكنوها عن أجدادهم، دُمّر 71 منها بالكامل.

وتركّز التدمير في محافظة غزة التي وقع فيها 164 موقعاً من المواقع المتضررة، بنسبة 72.5%، تلتها خان يونس بـ28 موقعاً، فالمحافظة الوسطى بـ17، ثم رفح بـ9 ومحافظة شمال غزة بـ8.

وجاء القصف الجوي والبري في صدارة أساليب الاستهداف بـ177 حالة، تليه المتفجرات في 25 حالة والتجريف في 24. أما الوسائل المستعملة فكانت الطائرات الحربية والمروحية أكثرها بـ164 حالة، تليها قوات مصحوبة بجرافات في 59 حالة، ثم الدبابات في حالتين.

وأشار التقرير إلى أن الاستهداف اتّبع نمطاً متدرجاً: قصفٌ للمباني المحيطة أوقع أضراراً متفاوتة بالمعالم المجاورة، ثم استهدافٌ مباشر ومقصود لها، ثم تجريفٌ وطمرٌ بعد التوغّلات البرية، وصولاً إلى تجريف أحياء تاريخية كاملة في مدينة غزة. ورصد تكرار استهداف نحو 44 موقعاً أكثر من مرة، وهو ما عدّه دليلاً على سبق الإصرار.

ولفت إلى أن نحو 40% من المواقع المستهدفة كانت تحمل علامات ظاهرة تدلّ على طابعها الديني — أهلّة ومآذن وقباب أو صلبان وأجراس — بما يُسقط أي ادّعاء بالجهل بقيمتها. ووثّق تعرّض نحو 11 موقعاً للنهب والسرقة شملت ساعات وأحجاراً كريمة وقطع رخام وتماثيل وحجارة مزخرفة وأعمدة قديمة، في مناطق كانت خاضعة للسيطرة الكاملة لقوات الاحتلال حين وقعت السرقات، كما حُوّلت مواقع أثرية إلى ثكنات أُطلقت منها النار على المدنيين.

وتبقى صورة الضرر ناقصة داخل المنطقة الصفراء الممتدة من بيت لاهيا شمالاً إلى الحدود الشرقية ثم جنوباً لتضمّ أجزاء من خان يونس ورفح، وتشمل ما لا يقل عن 60% من مساحة القطاع. وداخلها 63 موقعاً أثرياً وتاريخياً، بينها 8 مساجد وكنيسة و8 تلال أثرية ومقبرتان ومتحف و32 منزلاً، تعذّر على باحثي المركز الوصول إليها، فبقي توثيقها أولياً حتى انسحاب القوات.

ومن الحالات التي عرضها التقرير الجامع العمري الكبير في حي الدرج بمدينة غزة، وقد أُصيبت أروقته التاريخية ومصلاه الرئيس ومئذنته ومكتبته الأثرية التي كانت تضمّ 132 مخطوطة نادرة. وتعرّضت كنيسة القديس برفيريوس في حي الزيتون، وهي ثالث أقدم كنيسة في العالم ويعود تأسيسها إلى عام 425 ميلادية، لسلسلة غارات مباشرة أشدّها في 19 أكتوبر 2023، انهار فيها مبنى وكلاء الكنيسة التاريخي وقُتل نازحون مسيحيون ومسلمون كانوا يحتمون داخل حرمها.

وسجّل التقرير التدمير الكامل لتل العجول في بلدة المغراقة شمال وادي غزة على مساحة نحو 4 آلاف متر مربع بالجرافات والآليات الثقيلة، وهو من أهم مواقع الدفن في العصر البرونزي ويضمّ أكبر قصر اكتُشف في فلسطين حتى الآن. ودُمّر حمّام السمرة، الحمّام التاريخي الوحيد الباقي في القطاع والذي يعود أول ترميم موثّق له إلى عام 1286 ميلادية، تدميراً كاملاً بقصف مباشر في يناير 2024. أما قصر الباشا في حي الدرج، حيث أقام نابليون بونابرت عام 1799، فقُصف في ديسمبر 2023 ويناير 2024 ونُهبت مقتنيات نادرة من متحفه خلال الاجتياح البري.

وذكّر التقرير بأن إسرائيل طرف في اتفاقية لاهاي لحماية الملكية الثقافية في حال نزاع مسلح منذ عام 1957 وفي اتفاقيات جنيف منذ 1951، وأن نظام روما الأساسي يعدّ تعمّد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للدين والتعليم والفن والعلم والآثار التاريخية جريمة حرب، وقد أُدين على أساسه المتهم أحمد الفقي المهدي في قضية تدمير أضرحة تمبكتو عام 2016. وأورد أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة خلصت في تقريرها الصادر في 6 مايو 2025 إلى أن الهجمات على المواقع الثقافية كانت متعمّدة وغير متناسبة وترقى إلى جرائم حرب.

وطالب المركز المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بإدراج تدمير المواقع الأثرية والتاريخية في القطاع قضية منفصلة ضمن جرائم الحرب والإبادة الجماعية، ودعا اليونسكو والمجلس الدولي للمعالم والمواقع إلى إيفاد بعثة فنية مشتركة لتقييم الضرر ووضع خارطة طريق للتدخل العاجل، وإلى السماح لخبراء التراث بدخول القطاع وضمان التعويض وإعادة الإعمار.

واستند التقرير إلى 226 استمارة توثيق ونحو 200 زيارة ميدانية و35 مقابلة مع مختصين في التاريخ والآثار ومسؤولين عن المواقع، إلى جانب بيانات من وزارتي السياحة والآثار والثقافة ومن المجالس البلدية. وخلص إلى أن حجم الدمار ونوعه لا تفسّرهما الضرورة العسكرية ولا يمكن عدّهما أثراً عارضاً للعمليات، بل تدميراً منظّماً يستهدف صلة الفلسطينيين بأرضهم وتاريخهم الممتد من الحقبة الكنعانية إلى العصر الحديث.

الوسومغزة